آخر الاخبار
أسباب ودلالات انتصار ترامب

أسباب ودلالات انتصار ترامب

وكالة النخبة نيوز / عبد الخالق حسين

جاء فوز دونالد ترامب، المرشح الجمهوري لرئاسة أمريكا، زلزالاً صادماً للغالبية في العالم، ومفاجأة غير سارة لجميع وسائل الإعلام وخبراء استطلاع الرأي، بل ولحزبه وربما حتى لنفسه. فترامب في حملته الانتخابية كان فضاً عنيفاً وعدوانياً ليس إزاء منافسته هيلاري كلنتون التي هددها بالسجن فحسب، بل وكان عدوانياً حتى ضد الرئيس أوباما الذي شكك بشرعية رئاسته، حيث ادعى أنه ولد خارج أمريكا، وأن شهادة ولادته مزورة. كما وطرح أجندة مخالفة تماماً للسياسة الأمريكية التقليدية، الخارجية والداخلية، الأمر الذي جعل العديد من قادة حزبه أن يتبرأوا منه، وتمنوا وتوقعوا له الفشل.

ولكن رغم كل هذه التصرفات الغريبة من جانبه وتوقعات وتمنيات الغالبية بفشله، انتصر ترامب ولأسباب عديدة أهمها، النظام الانتخابي الأمريكي الفريد من نوعه في العالم. فهذا النظام لا يعتمد في فوز المرشح الرئاسي على الأغلبية من مجموع أصوات الناخبين للشعب الأمريكي، بل يعتمد على مجموع النقاط التي يحصل عليها المرشح في كل ولاية، أي نظام ما يسمى بالكليات الانتخابية (electoral colleges). فالولايات ليست متساوية في عدد النقاط أو الكليات الانتخابية، بل تختلف حسب الكثافة السكانية، فمثلاً ولاية جزر هاوائي لها 4 نقاط فقط، بينما ولاية كاليفورنيا لها 55 نقطة. والغريب في هذا النظام أنه إذا كان فارق أصوات الناخبين للمرشحين ولو صوتاً واحداً فقط في ولاية ما، فإن هذا المرشح الفائز يأخذ 100% من نقاط تلك الولاية والآخر له صفر، وهذا ما حصل. فالسيدة هيلاري كلنتون حازت على 47.7% من أصوات الناخبين بينما حاز دونالد ترامب على 47.5%، أي بفارق 02% أقل منها، ولكن مع ذلك فقد حصد ترامب 290 نقطة مقابل 228 لكلنتون أي بفارق 62 نقطة لصالحه، لأن ترامب فاز في الولايات ذات النقاط الأكثر، مثل أوهايو وغيرها. وهذا تكرار لما حصل عام 2000 بين بوش الإبن، وأل غور، حيث فاز بوش رغم أن أل غور قد حصل على نصف مليون صوت أكثر منه.

أما لماذا صوت كثيرون لترامب خلافاً للتوقعات، فهناك أسباب كثيرة، إذ نجح ترامب في تحويل جميع الصفات التي تعتبر ضده إلى صالحه، فمثلاً، قالوا عنه أنه يفتقر إلى خبرة إدارية سابقة وأنه خارجي ضد المؤسسة الحاكمة (outsider and anti-establishment)، أما هو فقد وصف هذه المؤسسة بالفساد وأنه يجب تبديلها. كما وبدى أنه ذو معرفه فطرية بسايكولوجية الجماهير، وكيف يعزف على الوتر الحساس لعواطف الناس ومشاعرهم ورغباتهم، وخاصة الشرائح الفقيرة التي لم تستفد من النمو الاقتصادي في الدولة العظمى اقتصادياً وعسكرياً وعلمياً. وراح يكيل الوعود المعسولة لهم بأنه سيغير الوضع رأساً على عقب لصالح الجميع دون استثناء.

والغريب أيضاً أنه رغم إهانته للمرأة، وللأمريكيين من أصول أمريكا اللاتينية، وحتى السود، وعد ترامب ببناء حائط عازل يمنع دخول المكسيكيين إلى أمريكا، ومع كل ذلك فاز بـ 60% من أصوات النساء البيض، و30% من اللاتينيين، و14% من السود. كما وفاز في أغلب المدن ذات الغالبية العمالية المفترض بهم أن يكونوا ضده.

فالملاحظ في عصرنا هذا اختفاء الفوارق بين اليمين واليسار في الدول الغربية من القضايا المصيرية، ففي بريطانيا صوتت غالبية الطبقات الفقيرة للخروج من الوحدة الأوربية على خلاف توجهات حزب العمال للبقاء. كذلك في أمريكا صوتت الطبقات الفقيرة في المدن الصناعية العمالية لترامب الملياردير، العنصري المستهين بكرامة المرأة.
ومن الأسباب الأخرى لنجاح ترامب، خروجه على المألوف في حملته الانتخابية، إذ كان طبيعياً وصريحاً جداً دون مجاملة وإلى حد السذاجة، ولكنها سذاجة مصطنعة أشبه بالممثل الذي يقوم بدور الأبله. فالناس تحب الصراحة والتهجم على المؤسسة الحكومية، وخاصة تكرار قوله أن هيلاري هي جزء من هذه المؤسسة الفاسدة. إضافة إلى تدخل رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالية (FBI) جيمس كومي مرتين للتحقيق في إيميلات مسز كلنتون، والمرة الأخيرة كانت قبل ثمانية أيام فقط من الانتخابات، ولم يبرئها إلا قبل يومين من التصويت، وخلال هذه الفترة أحدث تغييراً كبيراً في الرأي العام ضد كلنتون ولصالح ترامب. كذلك شراسة الحملة الإعلامية ضد ترامب في تشويه سمعته، حيث تقدمت نساء أمام الإعلام أتهمن ترامب باغتصابهن جنسياً، أو تعرضن لتحرشاته الجنسية المرفوضة، وغيرها من الاتهمات، إضافة إلى اشتراك نجوم الموسيقى والغناء يحفلات غنائية لصالح كلنتون، كل تلك المحاولات كان لها مردود معاكس لصالح ترامب. فالناس اعتادوا على هذه الحملات التسقيطية ولم تعد تصدقها. والجدير بالذكر أن هيلاري صرفت على حملتها ضعف ما صرفه ترامب.

لقد عانت الطبقات الفقيرة كثيراً من فساد المؤسسات الحاكمة، كذلك موجات الهجرة المليونية من شعوب العالم الثالث التعبانة، وبالأخص من الدول العربية إلى الغرب، وتفشي الإرهاب الإسلامي وما ترتكبه من جرائم بشعة ضد الإنسانية، أدت إلى صعود اليمين في الغرب بما فيها أمريكا.

كانت الحملة الانتخابية شرسة جداً لم يشهد مثلها تاريخ أمريكا من قبل، بحيث أحدثت شرخاً عميقاً في الشعب الأمريكي. فرغم دعوات أوباما للوحدة، وحديث كلينتون لأنصارها بضرورة منح ترامب “الفرصة ليقود البلاد”، إلا أن احتجاجات غاضبة خرجت ضده في عدة ولايات أمريكية. فقد نظم آلاف المتظاهرين ضد ترامب في نيويورك مسيرة أمام برج ترامب في مانهاتن، رافعين شعارات مناهضة للرئيس الفائز بالانتخابات. كما ذكرت تقارير إغلاق متظاهرين مدخل برج ترامب في شيكاغو، مرددين شعارات “هذا ليس رئيسي” و”لا لترامب، لا لولايات متحدة أمريكية فاشية”. كما وحرق متظاهرون غاضبون أعلام أمريكا في أوكلاند، وكاليفورنيا، وبورتلاند، و أوريغون(1).

السؤال المهم هنا، هل ينفذ ترامب أجندته مثل: الخروج من التجارة العالمية، واتفاقية باريس لحماية البيئة، وبناء الجدار العازل على حدود المكسيك، ويرحل نحو مليونين من المهاجرين اللاتينيين والمسلمين، ويسحب القوات الأمريكية من اليابان وكوريا الجنوبية، ويرفع الحماية عن السعودية والدول الخليجية الأخرى، ما لم تدفع هذه الدول تكاليف حمايتها، وحتى تهديده لدول الناتو …الخ، أم هذه مجرد دعوات لخدع الجماهير في الحملة الانتخابية، وبعد الفوز يعود كل شيء كما كان؟

فرغم أنه سابق لأوانه، إلا إن ما ظهر خلال اليومين الأخيرين بعد الانتخابات، أن لهجة ترامب العنيفة تغيرت بـ 180 درجة. فعن منافسته هيلاري كلنتون التي نعتها بالفاسدة والمجرمة وأنه سيدخلها السجن إذا ما فاز، راح يكيل لها ولعائلتها الثناء في خطاب انتصاره، و قال أن الشعب مدين لها لما قدمته من خدمات جليلة للأمة. أما السيدة كلينتون، فقد هنأت ترامب على فوزه، و قالت لمؤيديها أن ترامب يجب أن “يُعطى فرصة ليقود البلاد”.

أما عن أوباما الذي اعتبر رئاسته غير شرعية، وشكك في جنسيته الأمريكية، وتعهد بتقويض تراثه، قال ترامب: إنه “شرف كبير” أن يلتقي الرئيس باراك أوباما لإجراء محادثات الفترة الانتقالية في البيت الأبيض… وأضاف “لدي احترام بالغ. دام الاجتماع نحو ساعة ونصف ، وكان يمكن أن يستمر لفترة أطول من ذلك بكثير”. وأنه “يتطلع للتعامل مع أوباما في المستقبل”.
وفيما يخص تهديداته للعالم إثناء الحملة، تعهد ترامب في أول كلمة له بعد اعلان فوزه “بتحقيق السلام وليس خلق الازمات، والتعامل مع كل الدول”.

والسؤال الآخر هو: هل تتغير السياسة الخارجية لأمريكا؟
يجب أن نعرف أن أمريكا هي دولة مؤسسات يحكمها نظام ديمقراطي، وليس نظام دكتاتورية الحزب الواحد والشخص الواحد، أو “القائد الضرورة”. فالناس في الدول الديمقراطية لا تنتخب شخصاً، بل تنتخب فريق عمل، وحزب وبرنامج انتخابي. لذلك فالرئيس الفائز لا يحكم كما يريد، بل محاط بعدد كبير من المستشارين الخبراء، ومن حزبه، إضافة إلى مجلسين تشريعيين، النواب والشيوخ. فالرئيس الأمريكي ليس كل شيء في قمة الدولة.

ومن إيجابيات الرئيس المنتخب، أنه قال بصراحة عن دور السعودية راعية الإرهاب “فقد وصف، السعودية بالبقرة الحلوب، التي تدر ذهبا ودولارات بحسب الطلب الامريكي، مطالباً النظام السعودي بدفع ثلاثة أرباع ثروته كبدل عن الحماية التي تقدمها القوات الامريكية لآل سعود داخلياً وخارجياً. واعتبر ترامب، الذي يعتبر أول مرشح في تاريخ الانتخابات الأمريكية ينتقد السعودية علانية ويقلل من شأنها في الأجندة الخارجية الأمريكية، أن آل سعود يشكلون البقرة الحلوب لبلاده، ومتى ما جف ضرع هذه البقرة ولم يعد يعطي الدولارات والذهب عند ذلك نأمر بذبحها او نطلب من غيرنا بذبحها او نساعد مجموعة اخرى على ذبحها. وخاطب المرشح الامريكي النظام السعودي قائلاً: ” لا تعتقدوا ان مجموعات الوهابية التي خلقتموها في بلدان العالم وطلبتم منها نشر الظلام والوحشية وذبح الانسان وتدمير الحياة ستقف الى جانبكم وتحميكم فهؤلاء لا مكان لها في كل مكان من الارض الا في حضنكم وتحت ظل حكمكم لهذا سيأتون اليكم من كل مكان وسينقلبون عليكم ويومها يقومون بأكلكم “.(2)

كما وقال بحق: أن أوباما وكلنتون ساهما في صنع داعش (ISIS)، والمعروف أن الثنائي أوبما وكلنتون كانا يتعاطفان من حزب الأخوان المسلمين. كما وأعلن ترامب أنه سيقيم علاقة تعاون مع روسيا، لدحر الإرهاب الإسلامي. يبدو أن الشعوب الغربية على الضد من حكوماتها ووسائل إعلامها، ترفض هذا العداء غير المبرر لروسيا، وتفضل التعاون معها لسحق الإرهاب الإسلامي الفاشي.

لذلك فقد رحب العراق ومصر وروسيا بفوز ترامب بشكل صريح، بينما ارتأت دول خليجية الصمت. فسياسة ترامب في الشرق الاوسط قريبة الى العراق وروسيا، اذ تعهد بتدمير «داعش» وعدم مد المسلحين في سوريا بالعتاد، ومحاربة التطرف الديني الوهابي، اذ يتوقع مراقبون ان يقوم الرئيس الاميركي الجديد بتفعيل قانون «جاستا»، فضلا عن السعي الى تعزيز الاتفاق النووي مع ايران التي دعته الى اهمية الالتزام به(3).

ومما يجدر ذكره، أن فوز ترامب وظروف المرحلة، يذكرنا بفوز رونالد ريغن في الثمانينات من القرن الماضي أيام كانت الحرب الباردة في أوجها، فكلاهما جمهوريان ويمينيان. فالرئيس ريغان كان عدواً لدوداً للشيوعية، وحصل في عهده إزالة جدار برلين، وتفكيك الاتحاد السوفيتي، وانهيار المعسكر الاشتراكي. واليوم انتهى الخطر الشيوعي، وحل محله خطر التطرف الإسلامي الوهابي وأجنحته المسلحة من التنظيمات الإرهابية، داعش، والقاعدة، وجبهة النصرة (جبهة فتح الشام)، وبكوحرام، ومحاكم الشباب وعشرات غيرها.
وختاما، رغم أني كنت أتمنى فوز السيدة هيلاري كلنتون لتكون أول امرأة تتبوأ رئاسة الدولة العظمى، إلا إن ما حصل لا يشكل خسارة كبرى، بل وربما فيه الخير خاصة إذا ما نفذ ترامب وعوده بسحق الإرهاب والحكومات الراعية له. فهل يتم في عهد ترامب إنهيار الإسلام السياسي، والوهابية التكفيرية، وتنظيماتها الإرهابية؟ نتمنى ذلك من كل قلوبنا، لذلك أعتقد يجب أن نتفاءل بفوز ترامب وننتظر ما يحصل في المستقبل القريب، وعندئذ لكل حادث حديث.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>